امنحوا الأمل .. قبل الوظائف
ماذا لو استيقظ ملايين المصريين ذات صباح وهم يشعرون، للمرة الأولى، أن الطريق مفتوح أمامهم جميعًا.. وأن الوصول إلى الموقع الذي يستحقونه لن يحتاج إلى «واسطة»، ولا إلى قريب مسؤول، ولا إلى مكالمة هاتفية من شخص نافذ؟
ماذا لو أصبح السؤال في مصر: ماذا تستطيع أن تفعل؟ لا: من تعرف؟
أعتقد أننا سنكتشف وقتها أن هذا الشعب الذي نشتكي أحيانًا من سلبيته ولامبالاته، يملك طاقة هائلة لم تتح لها الفرصة كاملة بعد.
فالإنسان لا يعمل فقط من أجل راتب، ولا يبدع لمجرد أنه مطالب بالإبداع.
الإنسان يحتاج إلى أمل.
يحتاج إلى أن يصدق أن تعبه لن يضيع، وأن اجتهاده لن يصطدم بحائط العلاقات، وأن حلمه لن يكون أقل قيمة من حلم شخص آخر لأنه لا يملك الاسم أو النفوذ أو «المفتاح»!
الأمل هو الوقود الحقيقي للعمل والإنتاج والابتكار.
وحين يموت الأمل، لا تتوقع من الإنسان أن يحارب طويلًا.
وهنا ربما نحتاج إلى أن نكون أكثر صراحة مع أنفسنا.
فكم من شاب مصري متفوق بدأ حياته بحلم كبير، ثم اكتشف أن بعض الأبواب لها مفاتيح أخرى غير الشهادة والكفاءة؟
وكم من موهبة اختارت الصمت؟
وكم من كفاءة توقفت عن المحاولة؟
وكم من شخص قال لنفسه في لحظة إحباط: «وماذا سأفعل؟.. الدنيا ماشية بالمعارف»؟
هذه الجملة أخطر مما تبدو.
لأنها لا تقتل حلم فرد واحد، وإنما تقتل ثقافة الطموح لدى أجيال كاملة.
لقد ترسخت لدى قطاعات من المجتمع، عبر سنوات طويلة، صورة تقول إن بعض الوظائف والمواقع المهمة لها أصحابها، وإن الطريق إليها لا يمر دائمًا عبر الكفاءة وحدها.
وفي المقابل، ظل مفهوم «أهل الثقة» حاضرًا في الذاكرة العامة عند الحديث عن اختيار بعض القيادات.
المشكلة هنا ليست فقط في أن شخصًا غير مؤهل قد يصل إلى موقع ما.
المشكلة الأكبر أن شخصًا آخر ربما يكون أكثر قدرة وكفاءة قد لا يصل إليه أبدًا.
وهنا تصبح الخسارة خسارتين:
مواطن خسر فرصته.. ودولة خسرت كفاءته.
والدولة التي تهدر كفاءاتها لا تهدر أفرادًا فقط، وإنما تهدر سنوات من التعليم والتدريب والخبرة، وتهدر معها فرصًا كان يمكن أن تتحول إلى مشروعات وقرارات ونجاحات.
فماذا لو قلبنا المعادلة؟
ماذا لو أنشأنا «بنكًا وطنيًا للكفاءات المصرية»؟
قاعدة بيانات حقيقية، لا مجرد ملفات ورقية، تضم أصحاب الخبرات والكفاءات في مختلف المجالات، من الإدارة والاقتصاد والهندسة والطب والتعليم والقانون والتكنولوجيا وغيرها.
تُصنف الكفاءات وفق معايير موضوعية واضحة:
ماذا درس؟
ماذا أنجز؟
ماذا يستطيع أن يفعل؟
ما خبراته؟
ما قدراته القيادية؟
وما الموقع الذي يمكن أن يقدم فيه أفضل ما لديه؟
وتتولى ذلك لجنة مستقلة تضم متخصصين في الموارد البشرية والإدارة والتخطيط، وتعمل وفق قواعد معلنة وقابلة للمراجعة، وبمشاركة الجهات الرقابية المختصة، بحيث تصبح عملية اختيار القيادات أقرب إلى العلم منها إلى الانطباعات الشخصية.
لا نريد إلغاء دور الدولة في الاختيار.
نريد فقط أن نوسع أمامها دائرة الاختيار.
بدل أن تبحث عن القيادات في الدائرة نفسها كل مرة، لماذا لا يكون أمامها بنك وطني مفتوح للكفاءات؟
وعندما تخلو وظيفة قيادية، يكون السؤال:
من أفضل من يمكن أن يشغلها؟
لا:
من نعرفه؟
ومن يرشحه؟
ومن يقف خلفه؟
وقد يكون من المفيد أن تبدأ الدولة التجربة في ديوان خدمي واحد، بعد دراسة وضعه بدقة، ثم تطبيق نموذج متكامل للإحلال والتجديد، لا يقوم على تغيير الأشخاص فقط، وإنما يعيد تقييم المنظومة كلها: القيادة، والصف الثاني، والكوادر التنفيذية، وآليات اتخاذ القرار، ومؤشرات الأداء.
ثم نقيس النتائج.
هل تحسنت الخدمة؟
هل انخفضت الأخطاء؟
هل ارتفع معدل الإنجاز؟
هل زادت رضا المواطنين؟
هل أصبحت القرارات أسرع وأكثر كفاءة؟
إذا نجحت التجربة، نوسعها.
وإذا أخفقت، نعرف أين أخطأنا ونصحح المسار.
هذه ليست دعوة إلى إقصاء أحد.
وليست اتهامًا لكل مسؤول بأنه غير كفء.
إنها دعوة إلى شيء أبسط وأعمق:
أن نبحث دائمًا عن أفضل إنسان للمكان، بدل أن نبحث عن مكان للإنسان.
والفرق بين الجملتين قد يكون هو الفرق بين إدارة تقود المستقبل وإدارة تكتفي بإدارة الحاضر.
مصر لا تعاني من نقص في العقول.
لدينا علماء وأطباء ومهندسون ومدرسون وقضاة وضباط وباحثون وإداريون ورجال أعمال وشباب يمتلكون أفكارًا مذهلة.
المشكلة ليست دائمًا في وجود الكفاءة.
المشكلة أحيانًا في الوصول إليها.
فلنفتح الطريق.
لأن الشاب الذي يشعر أن وطنه يراه، سيعطيه أكثر.
والذي يشعر أن اجتهاده له قيمة، سيجتهد أكثر.
والذي يوقن أن حلمه يمكن أن يتحقق، لن يقضي عمره واقفًا على الرصيف يراقب الآخرين وهم يعبرون.
ماذا لو بثثنا الأمل في نفوس المصريين؟
ماذا لو قلنا لكل شاب:
لا تحتاج إلى واسطة كي تحلم.
لا تحتاج إلى اسم كبير كي تنافس.
لا تحتاج إلى «ظهر» كي تصل.
اجتهد فقط..
كن الأفضل..
وسنبحث عنك.
ربما عندها لن نحتاج إلى صناعة جيل جديد من المصريين.
ربما نحتاج فقط إلى أن نفتح الباب للجيل الموجود بالفعل.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
وفي المقال القادم.. لن أسأل «ماذا لو؟» فقط، بل سأضع تصورًا عمليًا لكيف يمكن إنشاء «بنك الكفاءات المصرية».. خطوة بخطوة.
ويبقى السؤال الذي لا أريد أن يختفي:
ماذا لو؟