بعد إعادة طرح "المقايضة الكبرى": القصة الكاملة للمقترح الذي هز الوسط الاقتصادي في مصر.. هل تتجاوز الدولة العوائق القانونية والسياسية لتصفير ديونها؟ (3-4)
الحلقة الثالثة: جبهة الرفض - لماذا يرى كبار الاقتصاديين والمصرفيين أن المقترح "افتكاسة" لا حل؟
ملف استقصائي إعداد د. محمد غالي:
منذ لحظته الأولى، قوبل مقترح "المقايضة الكبرى" برفض واسع من شخصيات وازنة في القطاعين المصرفي والاقتصادي. يمكن تلخيص أبرز خطوط النقد في خمسة محاور رئيسية:
1. خط الدفاع الأول: هشام عز العرب – “أموال الناس مش تحويشة”
كان هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي (CIB)، أول من دخل في مواجهة علنية ومباشرة مع هيكل. جوهر اعتراضه أن نحو 40% من أذون الخزانة الحكومية مملوكة لأجانب، وأن الجزء المحلي الباقي هو في الأساس أموال مودعين لا يمكن التعامل معها وكأنها مادة قابلة للمقايضة، محذرًا من أن مثل هذا المسار قد يقود مصر إلى سيناريو أشبه بالأزمة اللبنانية. كما شكك في قدرة الحل على معالجة الديون الخارجية كسندات اليوروبوند، وفي قدرة مصر على العودة للاقتراض من الأسواق الدولية بعد تنفيذه. رأى أن الحل الحقيقي يكمن في زيادة الإيرادات عبر توسيع دور القطاع الخاص وزيادة الحصيلة الضريبية، لا في إعادة هيكلة الالتزامات محاسبيًا. وشارك عز العرب لاحقًا في نقاش موسّع على "إكس" ضم الخبير الاقتصادي محمد فؤاد، ورجل الأعمال نجيب ساويرس الذي اعتبر أن مشكلة مصر الحقيقية تكمن في حجم الدين العام للحكومة وإيرادات الدولة معًا.
2. خط الدفاع المؤسسي: محمود أبو العيون – “مناقلة محاسبية تقوّض استقلالية المركزي”
جاء أعنف رفض مؤسسي من محمود أبو العيون، محافظ البنك المركزي المصري الأسبق، الذي بنى اعتراضه على القانون قبل الاقتصاد. أوضح أن الدور الأساسي للبنك المركزي بحسب القانون يتمثل في الحفاظ على استقرار النظام النقدي والمصرفي واستقرار الأسعار، وأن هذا الدور – وصفه القانوني بأنه "مستشار ووكيل مالي" للحكومة لا ضامن لالتزاماتها – لم يتغير جوهريًا منذ عام 2003. ولفت إلى أن المادة 47 من قانون البنك المركزي تحدد بدقة سقف تمويله لعجز الموازنة الموسمي بما لا يتجاوز 10% من متوسط الإيرادات العامة، ولمدد قصيرة غير قابلة للتدوير.
اعتبر أبو العيون أن "المقايضة الكبرى" مجرد مناقلة محاسبية تنقل المشكلة من جيب إلى آخر دون حل جوهرها، محذرًا من أن تحميل البنك المركزي عبء خدمة الدين سيقلب علاقته بالجهاز المصرفي رأسًا على عقب – من دائن له إلى مدين. كما حذّر من الاعتماد على أصول ذات عائد غير مضمون مثل إيرادات قناة السويس، المتأثرة بالاضطرابات الجيوسياسية. اقترح بدلًا من ذلك رفع نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي من 12% إلى مستويات أقرب لمتوسط الأسواق الناشئة، وتوسيع القاعدة الضريبية، ووضع سقف قانوني للدين مرتبط بالناتج.
3. خط الدفاع الأكاديمي: محمود محيي الدين – التحذير من “الأفكار السيئة المُستدعاة”
انتقد الدكتور محمود محيي الدين – أستاذ الاقتصاد والمبعوث الأممي لتمويل التنمية – عبر منشور على "لينكد إن"، فكرة معالجة أزمات الاقتصاد بـ"المفاجآت أو الحركات الأكروباتية أو الصفقات"، مؤكدًا أن الحل الحقيقي يكمن في الانضباط المالي، والنمو المعتمد على الاستثمار الخاص والتصدير، وإدارة شفافة للدين والسيولة، "بلا أي توريط للبنك المركزي والجهاز المصرفي وودائعه في أي مغامرات". لفت إلى أن بعض "الأفكار السيئة" التي أثبتت فشلها تاريخيًا تُستدعى من جديد بحجج واهية، داعيًا لقراءة تجارب النجاح والفشل قبل "التبرع بعلاج أسوأ من المرض".
4. الخط التاريخي البنيوي: جنات السمالوطي – المشكلة أعمق من إعادة تسمية الدائن
قدّمت الدكتورة جنات السمالوطي، أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة، نقدًا ينطلق من جذور أزمة الدين المصري الممتدة لأكثر من 150 عامًا، معتبرة أن "المقايضة الكبرى" قد تحقق تسوية محاسبية آنية لكنها لا تمثل حلًا حقيقيًا، لأن مصر ستظل دولة مدينة سواء سُجّل الدين على الحكومة أو على البنك المركزي. اقترحت أن يكون صندوق مصر السيادي، المُنشأ أصلًا عام 2018 لإدارة الأصول، هو الجهة الأنسب لهذا الدور بدلًا من خلط الأدوار بين السياسة المالية والنقدية.
5. الخط الحكومي الرسمي: الفصل القانوني بين المالية والنقدية
اعتبر وزير سابق بالمجموعة الاقتصادية "إقحام" البنك المركزي في ملف الديون اقتراحًا "في غير محله"، بينما شدد مسؤول حكومي في تصريحات صحفية على أن القانون يفصل بوضوح بين اختصاص وزارة المالية بإدارة الدين والموارد والمصروفات، واختصاص البنك المركزي بالسياسة النقدية. وتوقع المسؤول عدم اتخاذ إجراءات استثنائية، مرجحًا انخفاض الدين تلقائيًا إلى نحو 80% من الناتج المحلي بنهاية العام المالي بفعل تراجع الفائدة وسعر الصرف واستمرار مبادلة الديون الخارجية.
كيف يرد هيكل على هذه الانتقادات؟
في مواجهة هذا الرفض، يكرر هيكل حجة مركزية: لا أحد من المعارضين طرح حلًا بديلًا واقعيًا لفجوة الفائدة الشهرية التي تقدر بنحو 250 مليار جنيه، وأن خفض سعر الفائدة وحده لن يمنع الفوائد من التهام 70 إلى 80% من إيرادات الموازنة. كما يميز بين "حوالة الدين" التي يقترحها وبين الطباعة النقدية المباشرة.
- اقرأ أيضًا:
- بعد إعادة طرح "المقايضة الكبرى": القصة الكاملة للمقترح الذي هز الوسط الاقتصادي في مصر.. هل تتجاوز الدولة العوائق القانونية والسياسية لتصفير ديونها؟ (1-4)
- بعد إعادة طرح "المقايضة الكبرى": القصة الكاملة للمقترح الذي هز الوسط الاقتصادي في مصر.. هل تتجاوز الدولة العوائق القانونية والسياسية لتصفير ديونها؟ (2-4)
اقرأ أيضاً:
- النائب ممدوح جاب الله يطالب بتوسيع القاعدة الضريبية وتيسير إجراءات تأسيس الشركات
- مؤشرات تحسن الاقتصاد أمام رئيس الوزراء.. القطاع الخاص يستحوذ على 60% من الاستثمارات
- رئيس الوزراء يتابع مستجدات إعداد البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي
- 3032 فرصة عمل للشباب في 9 محافظات.. اعرف التخصصات المطلوبة
- سوهاج تطلق ملتقى توظيف يوفر أكثر من 2300 فرصة عمل بمشاركة 53 شركة
ما رأيك في هذا الخبر؟
التعليقات
recommendمقالات ذات صلة
رقمنة القطاع الزراعي.. تحويل 5.2 مليون حيازة إلى «كارت الفلاح الذكي» وميزات جديدة للشمول المالي
بعد إعادة طرح "المقايضة الكبرى": القصة الكاملة للمقترح الذي هز الوسط الاقتصادي في مصر.. هل تتجاوز الدولة العوائق القانونية والسياسية لتصفير ديونها؟ (2-4)