تشهد الزراعة المصرية تحولًا جذريًا في آليات إدارة القطاع المصرفي والخدمي الموجه للمزارعين، حيث غادرت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي السجلات الورقية التقليدية، متبنية منظومة رقمية متكاملة تضمن إيصال الدعم لمستحقيه، وترشيد استهلاك الموارد، وحماية الرقعة الزراعية من التعديات.
تحويل 5.2 مليون حيازة زراعية إلى منظومة إلكترونية
كشف علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، عن نجاح المنظومة الرقمية في تسجيل نحو 5.2 مليون حيازة زراعية إلكترونيًا على مستوى محافظات الجمهورية والمناطق الحدودية، بإجمالي مساحة تتجاوز 7 ملايين فدان.
ولم يعد «كارت الفلاح الذكي» مجرد بطاقة لإثبات الحيازة أو توزيع مستلزمات الإنتاج؛ بل تم دمج البطاقة رسميًا مع منظومة المدفوعات الوطنية «ميزة» بالتعاون مع البنك الزراعي المصري. وتستهدف هذه الخطوة تعزيز جهود الشمول المالي وتزويد المزارعين بخدمات ومعاملات مصرفية متطورة تتماشى مع رؤية الدولة 2030.
حوكمة صرف الأسمدة المدعمة ومنظومة «الرقم القومي للأرض»
استفاد ملف الأسمدة المدعمة بشكل مباشر من إجراءات الحوكمة الإلكترونية؛ حيث اعتمدت الوزارة آلية صارمة لربط الكميات الموزعة بمساحة الأرض ونوع المحصول، مما يحد من فرص التلاعب وضمان التوزيع العادل.
وتزامن ذلك مع إطلاق منظومة «الرقم القومي للأرض الزراعية»، والتي تمنح كل قطعة أرض كودًا رقميًا فريدًا يرتبط بـ«كارت الفلاح». وتتيح هذه التقنية رصد التغيرات والمخالفات والتعديات على الأراضي بشكل فورس للمحافظة على الرقعة الزراعية.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في خدمة المزارع والتصدير
في إطار السعي نحو تعظيم الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، تعكف الوزارة على بناء منصة بيانات موحدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد. كما أطلقت مبادرات إرشادية رقمية مثل «اسأل واستشر» و«معاك في الغيط» لتزويد المزارع بالتوصيات الفنية اللازمة، إلى جانب إعداد خريطة سمادية لـ16 محافظة لتحديد الاحتياجات الدقيقة للتربة.
وعلى صعيد الصادرات، ساهمت رقمنة منظومة مكافحة العفن البني في محاصيل البطاطس عبر نظم المعلومات الجغرافية (GIS) في تتبع المحصول من الحقل وحتى التصدير، مما يرفع من جودة المنتجات المصرية في الأسواق الدولية.
خريطة سمادية لـ16 محافظة.. التربة تحدد احتياجاتها
وفي جانب آخر من التحول نحو الزراعة القائمة على البيانات، أعد العلماء والخبراء بمركز البحوث الزراعية الخريطة السمادية لـ16 محافظة، بهدف تحديد الاحتياجات المثلى من الأسمدة وفقًا لنوع التربة والظروف البيئية.
وتساعد هذه الخرائط في ترشيد استخدام المدخلات الزراعية، بحيث يحصل النبات على احتياجاته الفعلية من العناصر الغذائية، بدلًا من الاستخدام العشوائي أو المبالغ فيه للأسمدة.
ويتزامن ذلك مع جهود التوسع في استخدام البدائل العضوية والحيوية، حيث تم تسجيل 143 منتجًا عضويًا محليًا، بما يدعم التوجه نحو مدخلات زراعية أكثر كفاءة واستدامة.
البطاطس تحت «الرادار» من الحقل إلى التصدير
ومن أكثر التطبيقات اللافتة للتحول الرقمي داخل القطاع الزراعي، رقمنة منظومة العفن البني في البطاطس وربطها بنظم المعلومات الجغرافية «GIS».
وتسمح هذه المنظومة بتتبع المحصول منذ مرحلة الزراعة وحتى التصدير، بما يعزز قدرة الجهات المختصة على متابعة المناطق والمحاصيل والتأكد من سلامة الإجراءات المرتبطة بها.
كما تم تعزيز الشراكات مع جهاز «مستقبل مصر» من خلال شركة «ديجيتال سمارت تري» لتطوير البنية الرقمية للقطاع الزراعي، ودعم تطبيقات التكنولوجيا الحديثة في إدارة ومتابعة الأنشطة الزراعية.
من الورق إلى البيانات.. هل تتغير طريقة إدارة الزراعة؟
ما يحدث داخل القطاع الزراعي لا يقتصر على إدخال أجهزة أو إطلاق منصات إلكترونية، وإنما يمثل تحولًا تدريجيًا في طريقة إدارة الزراعة نفسها.
فمع وجود كارت فلاحي إلكتروني، ورقم قومي لكل قطعة أرض، وقاعدة بيانات لملايين الحيازات، وخرائط سمادية، ومنصات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ونظم لتتبع المحاصيل، تصبح البيانات عنصرًا رئيسيًا في إدارة الدعم والإنتاج والرقابة.
والرهان الأكبر هو أن تساهم هذه المنظومة في تحقيق معادلة أكثر دقة: دعم يصل إلى مستحقه، وسماد يذهب إلى الأرض التي تحتاجه، وبيانات تكشف التغيرات في الوقت المناسب، ومزارع يحصل على المعلومة قبل اتخاذ القرار.
وبذلك تدخل الزراعة المصرية مرحلة جديدة، لا يصبح فيها الحقل مجرد مساحة مزروعة، وإنما جزءًا من منظومة رقمية يمكن رصدها وتحليل بياناتها ومتابعتها بصورة أكثر دقة من الزراعة التقليدية.