ملف استقصائي | من التصنيع إلى التكنولوجيا: قراءة في أبعاد الشراكة المصرية الصينية الجديدة (4-4)
أربع حلقات في السياسة والتجارة والصناعة والتكنولوجيا
الحلقة الرابعة: الذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء: الفصل القادم من الشراكة
ملف استقصائي إعداد د. محمد غالي:
إذا كانت الحلقات الثلاث السابقة قد رصدت مسار العلاقة من السياسة إلى التجارة فالتصنيع، فإن هذه الحلقة الأخيرة تتوقف عند الجبهة الأحدث والأكثر تشويقًا في الشراكة المصرية الصينية: الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة، وهو المجال الذي يراهن عليه صناع القرار في البلدين لصياغة العقد المقبل من التعاون.
الطاقة المتجددة: من بنبان إلى بطاريات التخزين
شاركت شركات صينية في إقامة أحد أكبر مجمعات الطاقة الشمسية في العالم في منطقة بنبان بأسوان، فيما نُفذت مشروعات رياح في سوهاج والبحر الأحمر بمشاركة صينية. وفي 2026، دخل مشروع أوبليسك للطاقة الشمسية المدمج مع أنظمة تخزين البطاريات مرحلة التشغيل بقدرة تكفي احتياجات نحو 1.6 مليون أسرة مصرية من الكهرباء النظيفة. كما شرعت شركة سنجرو الصينية في بناء مصنع لتخزين الطاقة بسعة 10 جيجاوات ساعة في منطقة السخنة، بينما تعمل شركتا سنريف وأتوم سولار على تطوير مصانع لتصنيع الخلايا والألواح الشمسية باستثمارات تُقدر بمئات الملايين من الدولارات. وفي قطاع طاقة الرياح، وقعت شركة ساني للطاقة المتجددة اتفاقًا لبناء أول مصنع مصري لتصنيع توربينات الرياح، إلى جانب تطوير مشروع رياح بقدرة ألفي ميجاوات في شمال خليج السويس.
هذه المشروعات تصب مجتمعة في هدف مصري معلن، يقضي برفع نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الوطني إلى 45 بالمئة خلال عامين، وهو هدف طموح تدعمه شراكة تجمع بين الاستثمار الأجنبي والتصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا في آنٍ واحد، بما يقلل الاعتماد على استيراد المعدات جاهزة من الخارج.
مراكز البيانات والأقمار الصناعية: مصر تدخل عصر الحوسبة السحابية
في مجال التكنولوجيا الرقمية، توسعت شركة هواوي الصينية في دعم البنية التحتية الرقمية المصرية، وسط تقارير عن جهود لتزويد مراكز بيانات حكومية بآلاف الشرائح المتقدمة للذكاء الاصطناعي. كما دخل مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومي المصري الخدمة بتقنيات صينية، تلاه افتتاح أول عقدة سحابة عامة صينية في القاهرة تستضيف أكثر من 200 شركة مصرية ناشئة وقائمة.
وفي مجال الفضاء، يُعد إطلاق القمر الصناعي المصري الثاني، الذي جرى تجميعه واختباره داخل مصر بأيدٍ مصرية وصينية مشتركة بتمويل صيني بلغ نحو 92 مليون دولار، إنجازًا رمزيًا بقدر ما هو تقني؛ إذ جعل مصر أول دولة أفريقية تمتلك قدرة كاملة على تجميع الأقمار الصناعية واختبارها محليًا، بحسب الدكتور دينج لونج، الذي يصف هذا الإنجاز بأنه دليل عملي على أن التعاون بين البلدين تجاوز استيراد التكنولوجيا الجاهزة إلى المشاركة في إنتاجها.
تمويل بالعملات المحلية.. خطوة نحو تقليل الاعتماد على الدولار
في الجانب المالي، عمل البنك المركزي المصري ونظيره الصيني على تفعيل اتفاق مقايضة عملات موقّع منذ 2016 بقيمة 18 مليار يوان، إلى جانب إصدار مصر لأول سندات باندا صينية من منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. كما جرى توسيع قبول شبكة يونيون باي الصينية للدفع داخل مصر، وهي خطوات تهدف، بحسب مسؤولين في البنك المركزي، إلى تعميق التسويات بالعملات المحلية وتخفيف الضغط على احتياطي النقد الأجنبي المصري من الدولار.
رؤية 2030 والحزام والطريق: مسارات متكاملة لا متوازية
يرى النائب الربان عمر المختار صميدة، رئيس حزب المؤتمر، أن المرحلة المقبلة من الشراكة يجب أن تُقاس بمعيار جديد، هو مدى قدرتها على تحويل الاتفاقيات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، من خلال الاستثمار الفعلي والإنتاج وفرص العمل ونقل المعرفة. ويتفق معه أحمد مهني، نائب رئيس حزب الحرية المصري، في أن العلاقة لم تعد تقتصر على التجارة والاستثمار، بل امتدت إلى البنية التحتية والطاقة والنقل والتكنولوجيا والتعليم، بما يعكس طبيعة شراكة استراتيجية شاملة متعددة الأبعاد.
ويصف الكاتب أحمد دحشان هذا التكامل بأنه صيغة رابحة للأطراف الثلاثة إذا ما نجحت مصر في توظيف موقعها كمنصة تجمع رأس المال الخليجي بالتكنولوجيا والخبرة الصناعية الصينية، مستفيدة من بنيتها التحتية وقوتها العاملة واتفاقياتها التجارية المتعددة، بما يحول مصر إلى مركز إقليمي للتصنيع واللوجستيات وخدمات التكنولوجيا يخدم مصالح الصين ودول الخليج ومصر في آنٍ واحد.
خاتمة
بعد أربع حلقات تنقّلنا فيها بين أروقة السياسة وأرقام التجارة وصخب المصانع وهدوء الألواح الشمسية، تبقى حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: مصر والصين لم تعودا تكتفيان بتبادل الدبلوماسيين والتصريحات، بل باتتا تكتبان معًا فصلًا جديدًا من التاريخ الاقتصادي، عنوانه أن الجغرافيا حين تلتقي بالإرادة السياسية، يمكن أن تتحول صحراء قاحلة إلى مدينة صناعية، وقمر صناعي معلّق في الفضاء إلى شهادة على أن الأيدي المصرية قادرة على المنافسة في أعقد الصناعات.
نعم، لا تزال هناك فجوة تجارية يجب ردمها، ولا تزال هناك مشروعات على الورق بانتظار أن ترى النور، ولا يزال الطريق نحو تحقيق حلم الـ145 مليار دولار من الصادرات طويلًا. لكن المؤشرات التي رصدناها في هذا الملف، من نمو الصادرات الزراعية بمعدلات تفوق المئة بالمئة، إلى مصانع تدرّب عشرات الآلاف من الشباب المصري، إلى ألواح شمسية تُصنَّع محليًا بدل استيرادها، كلها تقول إن العجلة بدأت تدور فعلًا، وإنها تدور في الاتجاه الصحيح.
فمصر التي وقفت قبل سبعين عامًا كأول دولة عربية وأفريقية تمد يدها لبكين، تقف اليوم في موقع مختلف تمامًا: لاعب إقليمي يملك قناة السويس، وموانئ متطورة، وشبابًا متعطشًا للتعلم، وقيادة سياسية تدرك أن التنويع هو أفضل تأمين ضد تقلبات عالم يعاد رسم خرائطه كل يوم. وإذا كانت السنوات السبعون الماضية قد بُنيت على الثقة والاعتراف المتبادل، فإن السنوات العشر القادمة، إذا أُحسن استثمارها، قد تكون هي العقد الذي يشهد فيه المواطن المصري بنفسه، في فاتورة الكهرباء، وفي فرصة العمل، وفي جودة المنتج الذي يصدَّر باسم "صُنع في مصر" إلى أبعد الأسواق، أن هذه الشراكة لم تكن مجرد عناوين في الصحف، بل كانت بداية حقيقية لغدٍ أفضل.
والقصة، كما تخبرنا كل الدلائل، لم تنتهِ بعد. بل ربما تكون فصولها الأهم لم تُكتب بعد.
اقرأ أيضاً:
- الدولار يثبت عند 51.15 جنيه.. سعر الدولار اليوم في بنك مصر
- بكام النهاردة؟.. سعر الدولار اليوم الأربعاء 2 سبتمبر 2026
- الدولار اليوم الأربعاء.. استقرار جديد وسعره يقترب من 51 جنيهًا
- الاخضر يفاجئ السوق.. سعر الدولار اليوم الأحد 23 أغسطس 2026
- سعر الدولار اليوم.. مفاجأة جديدة في تعاملات مساء الثلاثاء 18 أغسطس 2026
ما رأيك في هذا الخبر؟