عاجل
الأحد الحاسم.. غلق تسجيل رغبات تنسيق المرحلة الأولى نهائيًاطرابزون سبور ينفي الحجز على مستحقات محمد صلاح الماليةبعد غياب 13 عامًا.. أحمد مكي يبدأ تصوير فيلم فرصة سعيدة مع ماجد الكدواني"بالتقسيط نعيش".. لماذا أصبح المصريون أسرى للأقساط والديون؟شوبير يصدم جماهير الأهلي بإصابة إمام عاشوراعرف كليتك.. الطب البيطري بدمنهور تفتح أبواب المستقبل أمام الطلابنجوم جدد تنضم لـ يوسف الشريف في فيلم ميلانومصدر.. عقوبة شيكو بانزا ستكون الأكبر في تاريخ الزمالكاليوم.. شيرين عبد الوهاب تحيي حفلًا غنائيًا في بورتو جولف العلمينتعرف على موقف حمزة عبد الكريم مع برشلونة من معسكر إيطالياالأحد الحاسم.. غلق تسجيل رغبات تنسيق المرحلة الأولى نهائيًاطرابزون سبور ينفي الحجز على مستحقات محمد صلاح الماليةبعد غياب 13 عامًا.. أحمد مكي يبدأ تصوير فيلم فرصة سعيدة مع ماجد الكدواني"بالتقسيط نعيش".. لماذا أصبح المصريون أسرى للأقساط والديون؟شوبير يصدم جماهير الأهلي بإصابة إمام عاشوراعرف كليتك.. الطب البيطري بدمنهور تفتح أبواب المستقبل أمام الطلابنجوم جدد تنضم لـ يوسف الشريف في فيلم ميلانومصدر.. عقوبة شيكو بانزا ستكون الأكبر في تاريخ الزمالكاليوم.. شيرين عبد الوهاب تحيي حفلًا غنائيًا في بورتو جولف العلمينتعرف على موقف حمزة عبد الكريم مع برشلونة من معسكر إيطاليا
schedule الجمعة 7 أغسطس 2026 ٢٤ صفر ١٤٤٨ هـ
الخبر لايف

"بالتقسيط نعيش".. لماذا أصبح المصريون أسرى للأقساط والديون؟

person Aya Ghonem
schedule
"بالتقسيط نعيش".. لماذا أصبح المصريون أسرى للأقساط والديون؟
تحقيق يرصد فيه "" لماذا يلجأ المصريون لنظام التقسيط، بين ارتفاع الأسعار وصعوبة شراء الأساسيات، ورغبة البعض في مواكبة المظاهر، ومخاطر تراكم الديون.

كتبت-آية غنيم

بين الضرورة والتفاخر.. التقسيط يكشف وجهين للمصريين

في أحد متاجر الأجهزة الكهربائية، يقف شاب في العشرينات من عمره يتفاوض على تقسيط أحدث هاتف محمول، رغم أن هاتفه الحالي لا يزال يعمل بكفاءة، فقط لأنه لا يريد أن يشعر بأنه أقل من أصدقائه. وعلى بعد أمتار قليلة، تقف أم لثلاثة أطفال أمام متجر آخر، تحاول إقناع البائع بتقسيط ثلاجة جديدة بعد أن تعطلت القديمة، فشراء واحدة نقدًا أصبح خارج قدرتها.

"بالتقسيط نعيش".. لماذا أصبح المصريون أسرى للأقساط والديون؟ - 213787

مشهدان يفصل بينهما بضعة أمتار، لكنهما يعكسان واقعًا مختلفًا تمامًا. فالتقسيط في مصر لم يعد مجرد وسيلة للدفع، بل أصبح مرآة تكشف عن وجهين للمجتمع؛ أحدهما يلهث خلف المظاهر ومواكبة نمط حياة يفرضه المحيط والسوشيال ميديا، والآخر يبحث عن وسيلة تحفظ له الحد الأدنى من الحياة الكريمة في ظل ارتفاع الأسعار وتزايد الأعباء المعيشية.

في هذا التحقيق، يرصد ""  كيف تحول التقسيط من خدمة مالية إلى أسلوب حياة، بين من يشتري ليبدو أكثر رفاهية، ومن يشتري لأنه لا يملك رفاهية الاختيار، لنكشف الحكايات الإنسانية الكامنة خلف الأقساط الشهرية، ونبحث: أين تنتهي الضرورة وتبدأ ثقافة الاستهلاك؟

ارتفاع الأسعار وتسهيلات البنوك.. كيف أصبح التقسيط أسهل؟

لم يعد قرار الشراء في كثير من الأسر المصرية مرتبطًا بالرغبة، بل بالقدرة على تدبير القسط الشهري. فمع موجات ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية، أصبح الراتب لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، واضطرت أسر كثيرة إلى اللجوء للتقسيط لشراء أجهزة منزلية لا غنى عنها بعد تعطلها، أو لتوفير ملابس أساسية للأبناء مع اقتراب الموسم الدراسي، بعدما أصبح الدفع النقدي عبئًا يفوق إمكاناتها. بالنسبة لهؤلاء، لم يعد التقسيط رفاهية أو وسيلة للحصول على منتج أغلى، بل أصبح طوق نجاة يساعدهم على تلبية أبسط متطلبات الحياة.

"بالتقسيط نعيش".. لماذا أصبح المصريون أسرى للأقساط والديون؟ - 214765

لكن على الجانب الآخر، يبرز مشهد مختلف تمامًا. فبمجرد تصفح منصات التواصل الاجتماعي، تمتلئ الشاشات بإعلانات لأحدث الهواتف الذكية، والأجهزة الإلكترونية، والمنتجات الترفيهية، إلى جانب صور المؤثرين وهم يستعرضون مقتنيات جديدة ورسائل تسويقية تؤكد أن كل شيء أصبح متاحًا "بقسط شهري بسيط". ومع تصاعد تأثير السوشيال ميديا وضغط المقارنات الاجتماعية، اتجه البعض إلى شراء منتجات لا تمثل أولوية حقيقية، فقط لمواكبة ما يراه يوميًا على الشاشات أو للحفاظ على صورة اجتماعية معينة، ليتحول التقسيط في هذه الحالة من وسيلة لتلبية الاحتياجات إلى أداة لإشباع الرغبة في التفاخر ومجاراة الآخرين.

آراء المواطنين...لماذا يختار المصريون التقسيط؟

وخلال جولات ميدانية أجراها ""، تنوعت إجابات المواطنين حول أسباب لجوئهم إلى التقسيط، لتكشف عن وجهين مختلفين للظاهرة؛ فبينما يرى البعض أنه وسيلة للحصول على منتجات تمنحهم مكانة اجتماعية أو تواكب أحدث الصيحات، يعتبره آخرون السبيل الوحيد لتوفير احتياجاتهم الأساسية.

أقساط من أجل مواكبة الآخرين

أمام أحد فروع شركات التقسيط، التقى "" بأحمد حصافي (27 عامًا)، الذي كان يستعد لشراء هاتف "آيفون" بنظام التقسيط، وقال: "هشتري آيفون لأن تصويره حلو وهيساعدني في شغلي". ورغم اقتناعه بأن قيمة الأقساط سترفع السعر النهائي للهاتف بشكل كبير، فإنه يرى أن امتلاك الهاتف يستحق هذه التكلفة.

ولم يكن أحمد وحده، فخلال الحديث مع عدد من الشباب، أجمع معظمهم على أن أول ما قد يشترونه بالتقسيط هو هاتف "آيفون" أو جهاز "بلاي ستيشن"، باعتبارهما من أكثر المنتجات التي يرغبون في امتلاكها، حتى وإن استلزم ذلك سداد أقساط وفوائد لعدة أشهر أو سنوات.

عندما يتحول التقسيط إلى ضغط اجتماعي

وتقول سلوى صلاح، والدة طالب بالثانوية العامة: "بعد نجاح ابني في الثانوية العامة صمم أجيب له آيفون عشان يبقى زي أصحابه، وسعره كان كبير جدًا، فملقتش غير التقسيط".

القصة هنا لا تتعلق بالهاتف وحده، وإنما بالضغط الاجتماعي الذي يجعل بعض الأسر تشعر بضرورة توفير منتجات بعينها حتى لا يشعر أبناؤها بأنهم أقل من أقرانهم.

"بالتقسيط نعيش".. لماذا أصبح المصريون أسرى للأقساط والديون؟ - 214766

أقساط لتوفير أبسط الاحتياجات

لكن على الجانب الآخر، بدت الحكايات أكثر قسوة، إذ لم يكن التقسيط وسيلة لشراء الكماليات، وإنما لتدبير الضروريات. تقول رجاء الحلواني (55 عامًا): "بقسط اللبس الصيفي والشتوي، لأن الأسعار غليت، والمرتب عمره ما يكفي الأكل والشرب والهدوم مع بعض".

ويضيف علي فهيم (40 عامًا): "بقسط الأجهزة اللي أختي هتتجوز بيها، والفوايد كبيرة جدًا، والأقساط استنزفتني ماديًا، لكن مكنش عندي حل تاني".

أما صفية سعيد (45 عامًا)، فتؤكد أن التقسيط دخل حتى في أبسط تفاصيل الحياة، قائلة: "بقينا بنقسط كل حاجة، وحتى من السوبر ماركت بناخد حاجات وندفع لما ربنا يفرجها. آخر حاجة قسطتها كانت مكونات الكحك والبسكويت قبل العيد عشان أفرح عيالي".

وفي المقابل، لم يعد التقسيط متاحًا للجميع، إذ يقول رأفت حسن (50 عامًا): "بقالي سنة عايش من غير تلاجة، ومش عارف أجيبها حتى بالتقسيط، لأن الشركات بتطلب مقدم وفوايد عالية وأنا مش قادر".

ويرى خالد أبو الحسن أن الاستفادة من نظام التقسيط تختلف باختلاف طبيعة الدخل، موضحًا: "التقسيط مناسب للموظف اللي مرتبه ثابت، لكن العامل أو أي حد دخله غير ثابت ممكن يلاقي نفسه غرقان في الديون".

وتعكس هذه الشهادات اتساع الفجوة بين من يستخدم التقسيط لمجاراة ضغوط المجتمع أو تحقيق رغبة في امتلاك منتجات بعينها، وبين من يراه وسيلة اضطرارية لتوفير احتياجات لا يمكن الاستغناء عنها، ليصبح التقسيط في الحالتين عنوانًا لتحولات اقتصادية واجتماعية يعيشها الشارع المصري.

تسهيلات الشراء.. كيف أصبح التقسيط أسهل؟

أصبح الحصول على السلعة بالتقسيط أكثر سهولة من أي وقت مضى، في ظل التوسع في التسهيلات التي تقدمها البنوك وشركات التمويل، سواء من خلال بطاقات الائتمان "فيزا المشتريات"، أو الاتفاقيات المبرمة بين البنوك والمتاجر وشركات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية والملابس وغيرها، وهو ما أتاح للمستهلك شراء المنتج وسداد قيمته على عدة أشهر بدلًا من دفع ثمنه كاملًا مرة واحدة.

وتتنوع أنظمة السداد بين 6 أشهر وعام وعام ونصف، إلى جانب عروض تروّج لها بعض الجهات تحت عبارات مثل "قسط بدون فوائد" و"ادفع على 12 أو 18 شهرًا"، الأمر الذي جعل قرار الشراء بالتقسيط يبدو أكثر سهولة وجاذبية أمام المواطنين.

وقال الخبير الاقتصادي محمد عبد العال إن هذه التسهيلات تعد أحد الأسباب الرئيسية وراء زيادة الاعتماد على التقسيط، بعدما أصبح المواطن قادرًا على الحصول على المنتج فورًا وتأجيل سداد قيمته على فترة زمنية طويلة نسبيًا، وهو ما جعل التقسيط خيارًا حاضرًا بقوة عند اتخاذ قرار الشراء.

وأوضح أن بعض البنوك تتيح أنظمة تقسيط لفترات قصيرة تصل إلى 6 أشهر، بينما تمتد في حالات أخرى إلى عام أو عام ونصف، لافتًا إلى أن بعض العروض التي تحمل شعار «بدون فوائد» تحتاج إلى التدقيق قبل الإقدام على الشراء، لأن غياب الفائدة المعلنة لا يعني بالضرورة أن المستهلك يحصل على السلعة بأقل تكلفة.

وأشار إلى أن بعض المنتجات قد يكون سعرها عند الشراء بالتقسيط أعلى من سعرها النقدي في السوق، أو تضاف إليها رسوم وتكاليف أخرى، وبالتالي قد يتحمل المستهلك تكلفة أكبر بشكل غير مباشر، حتى وإن لم يظهر ذلك في صورة فائدة صريحة على القسط.

آراء الخبراء.. التضخم غيّر ثقافة الشراء

يرى الخبير الاقتصادي خالد الشافعي أن انتشار التقسيط في مصر خلال السنوات الأخيرة يرتبط بشكل مباشر بالضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر، وفي مقدمتها ارتفاع معدلات التضخم والزيادة المستمرة في أسعار السلع والخدمات، وهو ما دفع قطاعًا كبيرًا من المواطنين إلى الاعتماد على التقسيط لتوفير احتياجاتهم الأساسية بعد أن أصبح الدفع النقدي يمثل عبئًا لا تستطيع كثير من الأسر تحمله.

وأوضح الشافعي أن ضعف نمو الدخول والأجور مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب زيادة نفقات التعليم والعلاج والمناسبات الموسمية مثل بداية العام الدراسي وشهر رمضان والأعياد، كلها عوامل جعلت التقسيط خيارًا شبه دائم لدى كثير من الأسر المصرية.

وأضاف أن الأسباب لم تعد اقتصادية فقط، بل امتدت إلى عوامل اجتماعية وسلوكية، إذ تحرص بعض الأسر على الحفاظ على مستوى معيشي معين أو مجاراة المحيطين بها، وهو ما عزز الاعتماد على التقسيط، خاصة مع انتشار العروض البنكية وأنظمة البيع التي تقدم تسهيلات وفترات سداد طويلة، مؤكدًا أن هذه الحلول قد تبدو مريحة في البداية لكنها قد تتحول إلى أعباء مالية إذا تجاوزت قدرة الأسرة على السداد.

ومن جانبه، قال الخبير الاقتصادي سيد خضر إن ارتفاع الأسعار المستمر دفع كثيرًا من المواطنين إلى شراء احتياجاتهم بالتقسيط باعتباره وسيلة للتعامل مع الضغوط المعيشية، موضحًا أن شراء السلع الأساسية دفعة واحدة أصبح أمرًا صعبًا بالنسبة لشريحة كبيرة من الأسر، لذلك أصبح التقسيط أحد الحلول المتاحة لتوزيع تكلفة الشراء على عدة أشهر.

وأشار إلى أن الشركات والمتاجر ساهمت في زيادة الإقبال على التقسيط من خلال تقديم أنظمة سداد مرنة وعروض تسويقية جذابة، وهو ما شجع المستهلكين على اتخاذ قرار الشراء بسهولة، لافتًا إلى أن البعض يسارع أيضًا إلى شراء بعض السلع خشية ارتفاع أسعارها مستقبلًا، فيلجأ إلى التقسيط قبل أن تصبح أكثر تكلفة.

وحذر الخبيران من أن الإفراط في الاعتماد على التقسيط قد يؤدي إلى تراكم الالتزامات الشهرية، خاصة لدى أصحاب الدخول المحدودة أو غير الثابتة، وهو ما قد يوقع بعض الأسر في دائرة من الديون يصعب الخروج منها، لتتحول الأقساط من وسيلة لتخفيف الأعباء إلى عبء مالي مستمر يلتهم جزءًا كبيرًا من الدخل الشهري.

"بالتقسيط نعيش".. لماذا أصبح المصريون أسرى للأقساط والديون؟ - 214765 1

كيف تصنع السوشيال ميديا رغبات الشراء؟

ورغم أن العوامل الاقتصادية تفسر جانبًا كبيرًا من انتشار ثقافة التقسيط، فإنها ليست السبب الوحيد. فخبراء علم النفس يرون أن قرارات الشراء لا يحكمها الدخل فقط، بل تتأثر أيضًا بالرغبة في القبول الاجتماعي، وضغط المقارنات مع الآخرين، والتعرض المستمر للمحتوى التسويقي عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يدفع البعض إلى شراء منتجات قد لا تمثل أولوية حقيقية، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار المالي.

"بالتقسيط نعيش".. لماذا أصبح المصريون أسرى للأقساط والديون؟ - 214784

الطب النفسي يفسر.. لماذا يشتري البعض ما لا يحتاج إليه؟

قال الدكتور محمود طارق، باحث اجتماعي، فى تصريحاته لـ""  أن انتشار ثقافة التقسيط لا يرتبط بالأوضاع الاقتصادية فقط، وإنما يتداخل معها عامل نفسي واجتماعي لا يقل أهمية، يتمثل في ما يُعرف بـ"ثقافة الاستهلاك"، حيث أصبح امتلاك المنتجات الجديدة لدى البعض وسيلة لإثبات المكانة الاجتماعية أو الشعور بالقبول بين الآخرين.

وأوضح أن منصات التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في ترسيخ هذه الثقافة، فالمستخدم يتعرض يوميًا لمئات الصور ومقاطع الفيديو التي تستعرض أحدث الهواتف والسيارات والأجهزة والملابس، إلى جانب الحملات الإعلانية المكثفة التي تربط السعادة والنجاح باقتناء هذه المنتجات، وهو ما يخلق شعورًا دائمًا لدى البعض بأن ما يمتلكه لم يعد كافيًا، حتى وإن كان يؤدي الغرض.

وأضاف أن المقارنات المستمرة مع الآخرين تدفع بعض الأشخاص إلى اتخاذ قرارات شراء غير مدروسة، ليس بدافع الحاجة الحقيقية، وإنما خوفًا من الشعور بالنقص أو الرغبة في الظهور بمستوى اجتماعي معين، خاصة بين فئة الشباب، مؤكدًا أن سهولة التقسيط جعلت الوصول إلى هذه المنتجات أكثر إغراءً، وأضعفت التفكير في العواقب المالية طويلة المدى.

وأشار أستاذ الطب النفسي إلى أن أخطر ما في ثقافة الاستهلاك هو تحولها إلى سلوك اعتيادي، إذ قد يجد الشخص نفسه ملتزمًا بعدة أقساط شهرية تفوق قدرته المالية، ما يسبب ضغوطًا نفسية مستمرة، وشعورًا بالقلق والتوتر، وقد يؤثر في استقرار الأسرة والعلاقات الاجتماعية.

وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ بالوعي، من خلال التفرقة بين الاحتياجات الأساسية والرغبات المؤقتة، وعدم اتخاذ قرار الشراء تحت تأثير الإعلانات أو ضغط المقارنات على مواقع التواصل الاجتماعي، مع وضع خطة مالية تتناسب مع الدخل الحقيقي، حتى لا يتحول امتلاك الأشياء إلى عبء نفسي ومادي يثقل حياة الإنسان.

فبعد أن تناول التحقيق تأثير ثقافة الاستهلاك والضغوط النفسية والاجتماعية التي قد تدفع البعض إلى الشراء بالتقسيط، ننتقل إلى جانب آخر من القضية، وهو الحكم الشرعي لهذا النوع من المعاملات، خاصة مع اختلاف صور التقسيط وتفاوت الأسعار بين الشراء النقدي والآجل.

"بالتقسيط نعيش".. لماذا أصبح المصريون أسرى للأقساط والديون؟ - 214783 1

بين البيع والربا.. ماذا يقول الشرع في التقسيط؟

وفي ظل الانتشار الواسع لأنظمة التقسيط، يثار تساؤل متكرر بين المواطنين حول الحكم الشرعي لهذه المعاملات، خاصة مع وجود فارق بين السعر النقدي وسعر التقسيط.

ويحسم الدكتور علي مهدي، أستاذ الفقه بجامعة القاهرة، هذا الجدل، مؤكدًا أن البيع بالتقسيط في حد ذاته جائز شرعًا ولا يدخل في باب الربا، بشرط أن يتم الاتفاق منذ البداية على سعر نهائي ثابت للسلعة وأسلوب السداد، دون فرض زيادات أو فوائد جديدة بعد إتمام التعاقد أو بسبب التأخير في السداد.

وأوضح أن الشريعة الإسلامية أجازت البيع بالتقسيط باعتباره صورة من صور البيع المشروعة، طالما كان محل التعاقد سلعة حقيقية تنتقل ملكيتها إلى المشتري، ويتم تحديد ثمنها النهائي مسبقًا، سواء كان أعلى من سعرها النقدي أو لا، لافتًا إلى أن هذا يختلف عن الربا الذي يقوم على إقراض الأموال مقابل زيادة مالية ترتبط بمرور الزمن.

وأضاف أن القاعدة الفقهية: "إذا توسطت السلعة فلا ربا" توضح الفرق بين البيع المشروع والقرض الربوي، فوجود السلعة كطرف أساسي في المعاملة يجعل الزيادة في السعر مقابل البيع الآجل ربحًا تجاريًا مشروعًا، وليس فائدة ربوية. أما الربا فيتحقق في القروض أو في معاملات بيع النقود بالنقود مع اشتراط الزيادة.

وأشار إلى أن المشكلة لا تكمن في نظام التقسيط نفسه، وإنما في طريقة تطبيقه، لذلك ينبغي للمشتري قراءة بنود العقد جيدًا، والتأكد من معرفة التكلفة النهائية للسلعة، وقدرته الفعلية على الالتزام بالأقساط، حتى لا يتحول التقسيط من وسيلة لتيسير الشراء إلى عبء مالي يثقل كاهله.

"بالتقسيط نعيش".. لماذا أصبح المصريون أسرى للأقساط والديون؟ - 214785

كيف نتجنب فخ الأقساط؟

وبينما يوضح الجانب الشرعي ضوابط البيع بالتقسيط، تبقى مسؤولية القرار في النهاية لدى المستهلك نفسه، فمعرفة الحكم وحدها لا تمنع الوقوع في الديون، وإنما يحتاج الأمر إلى وعي بطريقة الشراء وإدارة الدخل، وهو ما يقودنا إلى السؤال الأهم: كيف يمكن للمواطن أن يستفيد من التقسيط دون أن يتحول إلى عبء يلاحقه؟

حلول لتجنب الوقوع في فخ الديون

ومع تحول التقسيط من وسيلة لتيسير شراء الاحتياجات إلى التزام شهري يثقل ميزانية بعض الأسر، يبقى الحل الأول في إعادة النظر في ثقافة الاستهلاك نفسها، والتفرقة بين ما نحتاجه فعلًا وما نرغب في امتلاكه لمجرد التقليد أو مجاراة الآخرين. وهنا تبرز الحكمة المنسوبة إلى الخليفة عمر بن الخطاب: "أوكلما اشتهيت اشتريت"، باعتبارها تذكيرًا بأهمية التمهل قبل الشراء وضبط الرغبات وعدم الاستسلام للحماس اللحظي.

ومن الطرق التي تساعد على تجنب الوقوع في دوامة الأقساط، الادخار المسبق لشراء السلع نقدًا، بحيث يخصص الشخص جزءًا ثابتًا من دخله كل شهر حتى يصل إلى قيمة المنتج، ثم يشتريه دون فوائد أو أعباء إضافية. ويمكن كذلك استغلال الخصومات الحقيقية عند الشراء النقدي، والاعتماد على بطاقات الخصم المباشر بدلًا من الائتمان، مع منح النفس فترة للتفكير قبل اتخاذ قرار الشراء، للتأكد من أن السلعة ضرورة فعلية وليست مجرد رغبة مؤقتة.

وعبرت فاطمة سعد، إحدى المواطنات، عن تأييديها للفكرة قائلة: "نظام التقسيط آخره ديون، وعمري ما اشتريت حاجة قسط، أنا بعمل جمعيات وأقبضها وأشتري اللي أنا عايزاه، من غير ما أفضل مديونة".

لكن الادخار ليس حلًا سهلًا في كل الظروف، فارتفاع الأسعار المستمر قد يجعل المبلغ الذي تم توفيره اليوم غير كافٍ لشراء السلعة بعد عدة أشهر. وقد يفاجأ المواطن بارتفاع سعر المنتج نتيجة التضخم وتقلبات سعر الصرف وارتفاع الدولار أمام الجنيه، فضلًا عن تأثير الأزمات والحروب العالمية على أسعار العديد من السلع.

وبين ادخار قد يفقد جزءًا من قيمته مع ارتفاع الأسعار، وتقسيط يوفر السلعة فورًا لكنه يضيف التزامًا شهريًا، يجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة، فالحل ليس في رفض التقسيط بشكل مطلق، ولا في استخدامه لكل شيء، وإنما في معرفة متى يكون ضرورة حقيقية، ومتى يتحول إلى رغبة ندفع ثمنها طويلًا بعد أن تنتهي لحظة الشراء.

نمتلك الأشياء أم تمتلكنا؟.. التقسيط بين الحاجة والرغبة

في النهاية، لا تكمن المشكلة في التقسيط ذاته، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معه. فبين أسرة تقسط ثلاجة تحفظ طعام أطفالها، وشاب يقسط هاتفًا ليحصل على إعجاب الآخرين، تتجلى الفروق بين الحاجة والرغبة، وبين الضرورة والاستهلاك. وفي زمن أصبحت فيه الرغبات تُصنع قبل الاحتياجات، يبقى السؤال الحقيقي: هل نمتلك الأشياء، أم أصبحت هي التي تمتلك قراراتنا؟

وربما لا يقاس الثراء بما نقتنيه، بل بقدرتنا على التمييز بين ما نحتاجه فعلًا وما ننجرف إليه تحت ضغط الإعلان والمقارنة. فكل قسط نوقع عليه اليوم ليس مجرد التزام مالي، بل قرار قد يرسم شكل حياتنا غدًا. وبين الادخار والتقسيط، وبين الضرورة والتفاخر، تبقى الحكمة في أن يسبق العقل الرغبة، وأن يظل الإنسان سيد احتياجاته، لا أسيرًا لها.

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe