الخبر لايف
الثلاثاء 26 مايو
مقالات 3 3 دقيقة visibility 167

د. محمد غالي يكتب: صناعة الوهم المالي: من نموذج «بونزي» إلى «المستريح» المصري.. ومعركة بناء الوعي الاستثماري

schedule
د. محمد غالي يكتب: صناعة الوهم المالي: من نموذج «بونزي» إلى «المستريح» المصري.. ومعركة بناء الوعي الاستثماري
أي استثمار يَعِد بعائد «مضمون» و«مرتفع جدًا» وبدون مخاطر هو نصب. الاستثمار الحقيقي له ثلاثة عناصر: (عائد – مخاطر – سيولة)، ولا يوجد وعاء يجمع الثلاثة بنسبة 100%.

​في عام 1919، وصل مهاجر إيطالي يدعى «تشارلز بونزي» (Charles Ponzi) إلى بوسطن الأمريكية. كان يدَّعي أنه اكتشف طريقة عبقرية للربح من خلال «كوبونات الرد البريدي الدولية»، واعداً المستثمرين بعائد قدره 50% في 45 يومًا فقط.

​جاءت لبونزي هذه الفكرة عندما كان يعمل في مكتب صغير يدعى (Security Exchange Company)؛ حيث تخلصت فكرته في استغلال «كوبونات الرد البريدي الدولية» (IRCs). فبعد الحرب العالمية الأولى، كان سعر صرف العملات مختلًا بشدة؛ حيث يُشترى الكوبون الواحد في إيطاليا أو إسبانيا أو البرازيل بثمن زهيد (بسبب انهيار العملات المحلية)، ثم يُباع في أمريكا بقيمة أعلى بكثير. ادعى بونزي قدرته على تحقيق ربح 50% في 45 يومًا، أو 100% في 90 يومًا.

​ورغم أن الفكرة تبدو عبقرية، إلا أنها كانت نظرية بحتة تنجح على الورق فقط، إذ لا يمكن التوسع فيها عملياً. وبالفعل، كان بونزي يدفع للمستثمرين الأوائل من جيوب المستثمرين الجدد. انتشرت الثقة كالنار في الهشيم، وباع الناس بيوتهم ورهنوا ممتلكاتهم للاستثمار معه، حتى جمع في ذروته ما يعادل مئات الملايين من الدولارات بحسابات اليوم. لكن عندما فحصت الصحافة والسلطات الحسابات، انكشفت الحقيقة المرة: لا يوجد استثمار حقيقي، ولا توجد أرباح، بل مجرد انتقال أموال من الجدد إلى القدامى. انهارت الخطة في أغسطس 1920، وخسر عشرات الآلاف مدخراتهم، وأصبح اسم «بونزي» مرادفًا لهذا النوع من الاحتيال (Ponzi Scheme).

​لم يمت نموذج بونزي، بل تطوَّر ولبس "جلابية مصرية". ففي مصر، أصبح يُعرف بـ «المستريح»؛ ذلك الرجل الذي يَعِدك بأن «يريحك» من هموم الحياة بعائد شهري يصل إلى 50% بدون جهد أو مخاطر.

​«المستريح» المصري لا يحتاج مكتبًا في «وول ستريت»، بل يكفيه مقهى في القرية، أو صفحة فيسبوك، أو حتى زاوية مسجد. يبدأ بقصة نجاح شخصية في تجارة الذهب أو العقارات أو حتى «اللهو الخفي»، ويمنح الضحية الأولى عائداً من جيب المستثمر الثاني، لينتشر الخبر كالنار في الهشيم بين العائلات والجيران.

​في السنوات الأخيرة، شهدت مصر عشرات القضايا من الصعيد إلى الإسكندرية. الضحايا ليسوا الأميين فقط، بل بينهم مشاهير وأطباء وأصحاب معاشات. يجمع «المستريح» الملايين ثم يختفي، تاركاً وراءه دماراً اقتصادياً واجتماعياً؛ عائلات مفلسة، وزيجات منهارة. الفرق الوحيد بين بونزي والمستريح هو «الحبكة»؛ فبونزي تحدث عن «كوبونات بريدية»، والمستريح يتحدث عن «تجارة دولية» أو «استثمار إسلامي»، والجوهر واحد: الربح يأتي من جيوب الجدد لا من نشاط اقتصادي حقيقي.

​إن الحل الوحيد يكمن في نشر الوعي المالي؛ فلا يمكن القضاء على «المستريح» بالقانون وحده. الحل الحقيقي هو "المناعة المالية" لدى المواطن، وفهم الفرق بين أدوات الاستثمار الحقيقية:

​الذهب: هو «حارس القيمة» عبر العصور، يحمي في الأزمات وإن كان استثماراً صامتاً لا يولد دخلاً دورياً.

​البورصة: ساحة الأذكياء وتشارك الشركات الكبرى نجاحها، لكنها تتطلب «نَفساً طويلاً» وعلماً يسبق الاندفاع.

​العقارات: الاستثمار الذي ينام فيه المصريون بسلام، فهو أصل ثابت يحتاج لسيولة عالية ونظرة بعيدة المدى.

​المشروعات الخاصة: المحرك الحقيقي للثروة، حيث تستثمر في عقلك وجهدك قبل مالك.

​والقاعدة الهامة هنا: أي استثمار يَعِد بعائد «مضمون» و«مرتفع جدًا» وبدون مخاطر هو نصب. الاستثمار الحقيقي له ثلاثة عناصر: (عائد – مخاطر – سيولة)، ولا يوجد وعاء يجمع الثلاثة بنسبة 100%.

​في هذا السياق، تكتسب دعوة الرئيس السيسي لصنّاع الدراما لتقديم أعمال هادفة بُعدًا يتجاوز الترفيه، لتصبح جزءًا من معركة الوعي. فالقضية ليست مجرد حكايات نصب، بل نماذج تتكرر لأن البيئة الحاضنة قائمة: طمع يقابله احتيال، وجهل يقابله استغلال.

​إن بناء المناعة المالية لا يتحقق بالقوانين وحدها، بل بالثقافة والوعي عبر التعليم والإعلام والدراما معًا. حين يفهم الناس آليات هذه الفخاخ، يصبحون أقل عرضة للسقوط فيها مهما تغيرت الأسماء.

طالما وُجد الطامع، سيظل هناك من يتقن دور النصاب، وبين الاثنين يقف «الوعي» كخط الدفاع الوحيد. الحفاظ على المال مسؤولية جماعية تبدأ من الفهم وتنتهي بالاختيار.

​استثمر بعقل، لا بعاطفة..

واسأل دائمًا عن المصدر قبل العائد..

ولا تمنح ثقتك لمن يبيع لك حلمًا أكبر من الواقع..

فالثروة الحقيقية لا تُبنى على وعود، بل على أسس.

 

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe