الشبعان يخدم الجميع... والجائع يخدم من يُطعمه
قراءة في طبيعة الإنسان عندما تحكمه الحاجة أو تقوده القناعة
كثيرًا ما نحكم على الناس من خلال مواقفهم، فنصف هذا بالوفي، وذاك بالانتهازي، وثالثًا بالمتقلب. لكننا نغفل سؤالًا أكثر عمقًا: ما الذي يصنع هذه الطباع؟
إن الإنسان لا يتصرف دائمًا وفق ما يؤمن به، بل كثيرًا ما يتصرف وفق ما يحتاج إليه. فالحاجة تمتلك قدرة هائلة على إعادة تشكيل السلوك، وتوجيه الولاءات، وصناعة القرارات. ولهذا جاءت الحكمة البليغة: “الشبعان يخدم كل الناس، والجائع يخدم الذي يطعمه.”
ولا يقصد بالشبع هنا امتلاء المعدة، ولا بالجوع خلوها من الطعام، فكم من غني يعيش جائعًا، وكم من فقير يبيت شبعان النفس. إن المقصود هو الشبع الداخلي؛ ذلك الشعور بالاكتفاء الذي يجعل الإنسان حرًا، لا يبيع نفسه من أجل منفعة، ولا يغير مواقفه طمعًا في مكسب.
أما الجوع، فهو كل احتياج يسيطر على الإنسان حتى يصبح هو المحرك الأول لسلوكه. فقد يجوع الإنسان إلى المال، فيرى الدنيا كلها صفقات. وقد يجوع إلى السلطة، فيضحي بكل شيء من أجل منصب. وقد يجوع إلى الحب، فيتعلق بأي شخص يمنحه قليلًا من الاهتمام. وقد يجوع إلى المديح، فيعيش أسيرًا لكلمات الثناء، يغضب إذا مُنع منها، ويفرح إذا أُغدقت عليه، ولو كانت زائفة.
إن الجائع لا ينظر إلى الناس على حقيقتهم، بل ينظر إليهم من زاوية واحدة: من منهم يستطيع أن يشبع جوعي؟ فإذا وجد ذلك، اقترب، وأطاع، ودافع، وربما خاصم الآخرين من أجله. ولذلك فإن ولاءه ليس للأشخاص، بل لما يحصل عليه منهم.
ولهذا ترى بعض الناس يتغيرون بصورة مذهلة. فإذا تبدلت مصالحهم تبدلت آراؤهم، وإذا تغيرت مواقع القوة تغيرت صداقاتهم وعداواتهم. وليس السبب أنهم بلا أخلاق دائمًا، بل لأن حاجاتهم أصبحت أقوى من مبادئهم.
أما الإنسان الشبعان، فإنه يعيش بطريقة مختلفة تمامًا. إنه لا يدخل علاقة لأنه محتاج إليها، بل لأنه يراها علاقة تستحق أن تُبنى. ولا يساعد الناس انتظارًا لرد الجميل، بل لأن العطاء أصبح جزءًا من شخصيته. إنه لا يخشى خسارة الأشخاص كما لا يخشى خسارة المناصب، لأن قيمته لا يستمدها من الخارج، بل من داخله.
ولهذا كان أكثر الناس ثباتًا هم أكثرهم اكتفاءً، وأكثر الناس تقلبًا هم أكثرهم احتياجًا.
وقد أدرك علماء النفس هذه الحقيقة مبكرًا. فقد أوضح أبراهام ماسلو أن الإنسان إذا سيطرت عليه الحاجات الأساسية انشغل بها عن كل ما سواها، فلا يعود يفكر في المبادئ أو الإبداع أو خدمة الآخرين إلا بعد أن يشعر بالأمان والاكتفاء. وهذا يفسر لماذا يستطيع بعض الناس التضحية بقيمهم عندما تضيق بهم الحياة؛ فالحاجة تضغط على العقل حتى تجعل البقاء أولوية تتقدم على غيرها.
لكن الفيلسوف سينيكا يلفت النظر إلى جانب آخر، وهو أن أخطر أنواع العبودية ليست عبودية السلاسل، وإنما عبودية الرغبات. فمن احتاج إلى تصفيق الناس صار عبدًا لتصفيقهم، ومن احتاج إلى المال صار عبدًا لمن يملكه، ومن احتاج إلى النفوذ صار أسيرًا لمن يمنحه إياه.
ولهذا فإن الحرية الحقيقية ليست أن تفعل ما تشاء، بل أن تكون قادرًا على رفض ما يخالف ضميرك، حتى لو أغراك بالمكاسب. فالذي لا يستطيع أن يقول "لا" لمن ينفعه، ليس حرًا كما يظن، وإنما أسير لمنفعته.
ومن أجمل ما قيل في هذا المعنى قول علي بن أبي طالب: "القناعة مال لا ينفد." فالقناعة ليست دعوة إلى ترك الدنيا، وإنما هي حماية للإنسان من أن تتحول الدنيا إلى سيدٍ يتحكم فيه.
ومن يتأمل سير العظماء يجد أن أكثرهم تأثيرًا كانوا أقل الناس تعلقًا بالمكاسب الشخصية. كانوا يخسرون المناصب ولا يخسرون مبادئهم، لأنهم لم يجعلوا كرامتهم مرتبطة بما في أيدي الناس. أما الذين كانت نفوسهم جائعة، فقد ظلوا ينتقلون من موقف إلى آخر، ومن ولاء إلى آخر، كلما تغير مصدر المنفعة.
إن الإنسان الشبعان يشبه الشجرة المثمرة؛ تعطي كل من يستظل بها، ولا تسأل من يكون. أما الجائع فيشبه المتسلق الذي لا يرى في الأشجار إلا السلم الذي يصعد عليه، فإذا بلغ غايته تركها وراءه.
ولذلك، إذا أردت أن تعرف معدن إنسان، فلا تنظر إلى كلامه فقط، بل انظر إلى الشيء الذي يجوع إليه. فهناك من يجوع إلى الحقيقة، فيبذل عمره في طلبها، وهناك من يجوع إلى المال، فيبيع من أجله كل شيء، وهناك من يجوع إلى المكانة، فيجعل الناس درجات يصعد عليها.
وفي النهاية، ليست القضية أن يكون الإنسان غنيًا أو فقيرًا، مشهورًا أو مغمورًا، وإنما أن يكون حرًا من الداخل. فالنفوس الممتلئة بالقناعة والكرامة تستطيع أن تحب الجميع، وتخدم الجميع، وتنصف الجميع، لأنها لا تنتظر من أحد ثمنًا. أما النفوس الجائعة، فإنها تظل تبحث عمن يطعمها، فإذا وجدته منحته ولاءها، لا لأنه الأفضل، بل لأنه أشبع جوعها.
وهكذا تبقى الحقيقة ثابتة: كل إنسان يخدم ما يحتاج إليه؛ فمن كانت حاجته إلى القيم خدم القيم، ومن كانت حاجته إلى الناس خدم الناس، ومن كانت حاجته إلى المنافع خدم من يملكها. ولذلك فإن أعظم شبع يمكن أن يبلغه الإنسان هو شبع النفس، لأنه وحده الذي يصنع الإنسان الحر.