من النفط إلى الأسواق الناشئة: كواليس وتداعيات أزمة إيران والخليج على اقتصاد مصر والعالم (3)
ملف استقصائي إعداد د. محمد غالي:
بينما كانت القاهرة تدير أزمتها بحذر، كانت مؤسسات التمويل الدولية الكبرى تعيد حساباتها على عجل. حين اجتمع خبراء البنك الدولي لإعداد أحدث نسخة من تقريرهم الدوري حول آفاق الاقتصاد العالمي، لم يكن أمامهم مفر من الاعتراف بأن العالم يتجه نحو أبطأ معدل نمو منذ جائحة كوفيد-19. رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا وصف التحدي الأساسي أمام الدول بأنه واحد رغم اختلاف الظروف: حماية الناس والحفاظ على الاستقرار في الوقت الراهن، دون التخلي عن أهداف النمو والتشغيل في المستقبل. وأوضح بانغا أن المؤسسة تعمل على توفير السيولة أينما دعت الحاجة إليها فوراً، مع الاستعداد لتقديم تمويل إضافي وضمانات وحلول من القطاع الخاص إذا تعمقت الضغوط.
الأرقام التي وضعها التقرير على الطاولة كانت بالغة الدلالة: تراجع متوقع للنمو العالمي إلى 2.5% في 2026 مقارنة بـ2.9% في العام السابق، مع خفض توقعات النمو في ثلثي اقتصادات العالم تقريباً مقارنة بما كان متوقعاً في يناير من العام نفسه. وإذا تفاقمت اضطرابات إمدادات الطاقة وترافقت مع ضغوط مالية أوسع، فإن النمو العالمي قد يهبط إلى 1.3% فقط، بينما يرتفع التضخم إلى 4.4%. الاقتصادات الخليجية المتأثرة مباشرة بالنزاع كانت الأكثر تضرراً في هذا السيناريو، إذ يُتوقع أن يتراجع نموها من 3.9% في 2025 إلى ما يقارب الصفر في 2026، قبل أن يرتد إلى نحو 5% خلال 2027 و2028 مع بدء إعادة الإعمار وانتعاش التجارة، وهو تحسن ستشعر به مصر أيضاً بحكم ارتباطها المباشر بحركة الخليج.
في مواجهة هذا المشهد، أعلن البنك الدولي إتاحة ما بين 50 و60 مليار دولار فوراً عبر أدواته القائمة، بينها 25 مليار دولار من التمويل المُعد سلفاً، لدعم شبكات الأمان الاجتماعي وتعزيز القدرة المالية للدول وتوفير السيولة للشركات والمزارع. وأوضحت المؤسسة أن أكثر من ثلاثين دولة كانت بالفعل تنسّق معها لتفعيل خطة استجابة سريعة، مع إمكانية رفع سقف الدعم إلى ما بين 80 و100 مليار دولار على مدى خمسة عشر شهراً إذا استمر النزاع وتفاقمت تبعاته.
آيهان كوسه، نائب كبير الاقتصاديين ومدير مجموعة الآفاق في البنك الدولي، اختار أن يقرأ الأزمة من زاوية أخرى، معتبراً أنها -رغم قسوتها- تحمل فرصة لتعزيز أطر السياسات، والاستثمار في البنية التحتية، وتسريع الإصلاحات الداعمة لبيئة الأعمال، وتعبئة رأس المال الخاص لخلق فرص العمل على نطاق واسع. لكن التقرير لم يُخفِ أن هشاشة مالية متراكمة تجعل هذه الفرصة صعبة المنال لكثير من الدول، خصوصاً أن نحو ثلثي الاقتصادات النامية، وما يقارب 90% من الدول منخفضة الدخل، تعتمد على تصدير السلع الأولية، وهي اقتصادات ذات أوضاع مالية أضعف بطبيعتها بسبب تقلب إيراداتها وضعف تنوعها.
على الجانب النقدي، لم يكن الفيدرالي الأميركي بمنأى عن الضغط. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الاستقرار النسبي، رفع البنك المركزي الأميركي أسعار الفائدة، مشيراً إلى احتمال رفعها مجدداً خلال العام نفسه وفي 2027، في محاولة لكبح جماح موجة تضخمية غذّتها أسعار الطاقة المرتفعة. رئيس الفيدرالي كيفن وارش برر القرار بأن التضخم ظل مرتفعاً أكثر مما ينبغي ولفترة أطول مما ينبغي، وهو تبرير لم يُرضِ الرئيس ترامب الذي عارض القرار علناً، ووصف في مناسبة أخرى قرارات مجلس الفيدرالي الأخيرة بأنها مدفوعة بدوافع "سياسية" أكثر منها اقتصادية.
هذا الرفع في الفائدة لم يكن حدثاً معزولاً؛ فقد شعرت به الأسواق الناشئة كلها تقريباً، ومصر معها كما رأينا في الحلقة السابقة. وباحثون في بنك إيطاليا -من بينهم أليساندرو دورازيو وسيمون إميليوتزي وفابريتسيو فيرياني وأندريا غزاني وماركو تابوغا وجيوفاني فيرونيزي- خلصوا في دراسة مشتركة إلى أن ارتفاع عوائد الفائدة الخالية من المخاطر عالمياً، إلى جانب حالة عدم اليقين الجغرافي-السياسي، دفعا تدفقات رأس المال بعيداً عن الأسواق الناشئة عموماً، في وقت شهدت فيه صناديق الأسهم العالمية أحد أكبر موجات الخروج الأسبوعية خلال العام كله.
الفريق البحثي ذاته قدّم قراءة أعمق لآلية امتصاص الصدمة عالمياً، موضحاً أن الفجوة الفعلية في إمدادات النفط بعد إغلاق هرمز -والتي بلغت نحو عشرين مليون برميل يومياً- تقلّصت إلى نحو اثني عشر مليون برميل فقط بعد احتساب الفائض الذي كان متوفراً في السوق قبل الحرب، وتراجع الطلب خصوصاً في الصين، والإمدادات البديلة من الحوض الأطلسي وعلى رأسها الولايات المتحدة، والإفراج الطارئ عن مخزونات استراتيجية بلغت نحو 400 مليون برميل من دول منظمة الطاقة الدولية، وهو أكبر إفراج منسق من نوعه في تاريخ المنظمة. لكن الفريق حذّر من أن هذه الأدوات ذات سقف زمني: كلما طالت الأزمة، أصبحت عمليات الإفراج المتكررة عن المخزونات أصعب، وأصبح جزء أكبر من التكيف يمر عبر الأسعار المرتفعة والاستهلاك المنخفض بدلاً من الحلول المؤقتة.
الخيط الذي يربط كل هذه التحركات -من البنك الدولي إلى الفيدرالي الأميركي إلى بنك إيطاليا وصندوق النقد- هو إدراك مشترك بأن الأزمة لم تعد مسألة إقليمية محصورة في الخليج، بل تحوّلت إلى اختبار شامل لمرونة النظام المالي والنقدي العالمي بأسره، تدفع فاتورته اقتصادات صغيرة وكبيرة معاً، من القاهرة إلى دبلن. وهو ما يقودنا إلى السؤال الأهم في الحلقة الأخيرة: ماذا يحدث بعد أن تهدأ الجبهات، وهل يمكن لمصر وللعالم أن يبنيا حصانة حقيقية ضد الصدمة القادمة؟
اقرأ أيضاً:
- مدبولي يوجه بسرعة الانتهاء من آلية تمويل مشروعات البنية التحتية قبل نهاية 2026
- البنك الدولي: التأمين الصحي الشامل في مصر نموذج رائد لإصلاح المنظومة الصحية
- نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية يبحث مع البنك الدولي تعزيز التعاون المشترك
- وزير الخارجية يشارك في جلسة بالبنك الدولي حول التداعيات الاقتصادية للصراع في الشرق الأوسط
- وزير الاستثمار والتجارة الخارجية: دعم كامل للشركات الناشئة
ما رأيك في هذا الخبر؟