ملف استقصائي | اقتصاد الساحل الشمالي في مصر.. كيف تُدار المليارات خلف أسوار منتجعات الصيف؟ (4- 4)
الحلقة الرابعة والأخيرة: أسئلة ما بعد الازدهار: هل يحتمل الساحل الشمالي هذا الوزن؟
ملف استقصائي إعداد د. محمد غالي :
خلف كل الأرقام القياسية التي رصدتها الحلقات السابقة حول اقتصاد الساحل الشمالي في مصر، يقف سؤال لا يمكن لملف اقتصادي جاد أن يتجاوزه: هل هذا النمو مستدام، أم أنه فقاعة يغذيها التوقيت الحالي لعدة عوامل متزامنة؟ للإجابة عن هذا السؤال، تحتاج القراءة إلى الخروج من حدود مصر ومقارنة تجربتها بسوابق تاريخية مشابهة.
درسان من الماضي
التجربة الأولى تأتي من لبنان، حيث كانت مصايف صوفر وبحمدون الجبلية في مطلع القرن العشرين نقطة جذب سياحي إقليمي واسعة، قبل أن تتضرر بشدة إثر اندلاع الحرب الأهلية عام 1975. الدرس هنا واضح: اقتصاد المصايف والسياحة الساحلية أو الجبلية شديد الهشاشة أمام أي صدمة سياسية أو أمنية، بصرف النظر عن حجم الاستثمارات المتراكمة فيه.

التجربة الثانية تأتي من إسبانيا، في مدينة سيسينيا القريبة من مدريد، التي شهدت توسعًا عمرانيا مصيفيًا كبيرًا قبل أن تصطدم بانفجار فقاعة العقار العالمية عام 2008، ولم تستعد المدينة عافيتها الاقتصادية إلا بعد أن تحولت من مصيف موسمي إلى امتداد سكني دائم لسكان العاصمة. وهذا الدرس بالذات يحمل دلالة مباشرة لمشروعات مثل العلمين الجديدة ورأس الحكمة، اللتين تراهنان أصلًا على تحويل الساحل الشمالي إلى مدن مأهولة طوال العام، وليس مجرد مصيف يُغلق تسعة أشهر في السنة.
صوفر وبحمدون تحذّران من هشاشة السياحة أمام الصدمات السياسية. سيسينيا تحذّر من فقاعة عقار بلا طلب حقيقي دائم. الساحل الشمالي يواجه الدرسين معًا.

ثلاثة مخاطر تواجه رأس المال
انطلاقًا من هاتين التجربتين، يمكن حصر المخاطر الجوهرية التي تواجه استمرار هذا النموذج في ثلاثة محاور رئيسية.
● المخاطر السياسية والأمنية الإقليمية: أي اضطراب في محيط مصر الإقليمي قادر على التأثير المباشر في تدفقات السياحة والاستثمار الساحلي، بالنظر إلى أن جزءًا كبيرًا من الطلب مرتبط بقرار سفر واستثمار قابل للتأجيل أو الإلغاء في أوقات عدم اليقين.
● فائض المعروض العقاري: تزايد وتيرة إطلاق المشروعات الجديدة بمعدل يفوق نمو الطلب الفعلي المستدام قد يقود إلى تصحيح حاد في الأسعار، خصوصًا مع دخول مطورين جدد إلى السوق بفعل تخفيض الرسوم الذي تناولته الحلقة الثانية من هذا الملف.
● تحوّل تفضيلات الجيل الجديد من المستهلكين: يميل جيل الشباب الأصغر سنًا إلى نموذج «اقتصاد المشاركة»، أي استئجار وحدات المصيف عبر منصات الحجز الرقمية بدلًا من تملّكها، ورفض الأعباء المالية المرتبطة بالملكية والصيانة والتخصيص الموسمي التقليدي، وهو تحول سلوكي قد يقلّص قاعدة المشترين المستقبليين إذا لم يواكبه تطور موازٍ في نماذج التملك والتأجير.

لغة الأرقام مقابل لغة السلوك
خلال العامين الأخيرين وحدهما، بلغت مبيعات الساحل الشمالي نحو تريليون ومئتي مليار جنيه، أي ما يعادل ما بين خمسمائة وستمائة مليار جنيه سنويًا، لتشكل بذلك نحو ثلث إجمالي مبيعات السوق العقاري المصري بالكامل. وتصدرت أسعار الفلل معدلات النمو بزيادة تجاوزت خمسمائة بالمائة خلال فترة قياسية، تلتها وحدات التاون هاوس بأكثر من ثلاثمائة وستين بالمائة، ثم الشقق والشاليهات بما يزيد على مئتين وعشرين بالمائة، وفق تقارير عقارية متخصصة.
هذه المعدلات، على ضخامتها، هي بالضبط ما يجعل السؤال عن الاستدامة سؤالًا جوهريًا لا ترفًا تحليليًا. فحين يرتفع سعر أصل واحد بهذه الوتيرة في فترة زمنية قصيرة، يصبح جزء من هذا الارتفاع مدفوعًا بعوامل هيكلية حقيقية -تراجع قيمة العملة، ندرة الأرض الساحلية، الطلب الخليجي والمغترب المدعوم بعملات صعبة- وجزء آخر مدفوعًا بديناميكيات سلوكية قصيرة الأجل قد تنعكس بسرعة إذا تغيرت الظروف المحيطة.

خلاصة الملف
إذا كانت الحلقات السابقة قد حاولت تفسير كيف وُلد هذا السوق، وكيف تضخمت قيمته بهذه السرعة، فإن السؤال الذي يبقى مفتوحًا لا يتعلق بما تحقق حتى الآن، بل بما سيحدث بعد ذلك.
حتى اللحظة، تبدو المؤشرات في صالح الساحل الشمالي. الطلب لا يزال حاضرًا، والاستثمارات تتدفق، والمشروعات تتوسع عامًا بعد آخر. لكن الأسواق الكبرى لا تُقاس بما تحققه في سنوات الرواج، وإنما بقدرتها على الصمود عندما تتغير الظروف. فالتقلبات السياسية، واحتمالات تشبع السوق بالمعروض، وتغير أولويات الأجيال الجديدة في الإنفاق والادخار، كلها عوامل قد تعيد رسم المشهد بطريقة مختلفة عما يبدو اليوم.
في المقابل، تخوض الدولة رهانًا أكبر من مجرد تطوير شريط ساحلي أو بناء وجهة سياحية جديدة. الرهان الحقيقي هو خلق مدينة اقتصادية نابضة بالحياة طوال العام؛ مدينة تجذب السكان والاستثمار والعمل، ولا تكتفي باستقبال المصطافين في أشهر الصيف. نجاح هذا الرهان سيعني ولادة قطب اقتصادي جديد على البحر المتوسط، أما تعثره فسيعيد طرح الأسئلة نفسها التي صاحبت هذا الساحل لعقود: هل كان ما جرى تحولًا اقتصاديًا مستدامًا، أم مجرد دورة ازدهار عقاري جديدة؟
وربما لهذا السبب، لا تنتهي قصة الساحل الشمالي عند آخر مشروع يُعلن عنه، ولا عند أعلى سعر تُباع به فيلا على الشاطئ. فالقصة الحقيقية ستكتبها السنوات المقبلة؛ حين تكشف الأرقام، بعيدًا عن ضجيج الإعلانات، ما إذا كان الساحل قد أصبح بالفعل اقتصادًا جديدًا لمصر، أم أنه كان فصلًا استثنائيًا في دورة عقارية ستترك الزمن وحده يحكم عليها.


- اقرأ أيضًا:
- ملف استقصائي | اقتصاد الساحل الشمالي في مصر.. كيف تُدار المليارات خلف أسوار منتجعات الصيف؟ (1- 4)
- ملف استقصائي | اقتصاد الساحل الشمالي في مصر.. كيف تُدار المليارات خلف أسوار منتجعات الصيف؟ (2- 4)
- ملف استقصائي | اقتصاد الساحل الشمالي في مصر.. كيف تُدار المليارات خلف أسوار منتجعات الصيف؟ (3- 4)
اقرأ أيضاً:
ما رأيك في هذا الخبر؟